
نبذ الإغريق والرومان فكرة الإِله الواحِد الذي يسيطر على الكون ويحتكر السلطة .. فتعددت عندهم الآلهة كنوع من الديمقراطية تتوزع فيها السلطات على مجموعة كبيرة من الآلهة بلغت أكثر من مائة وثمانين إلهاً عند الإغريق وحدهم.
اللافت للنظر في هذه الآلهة أنه لا يوجد تنسيق فيما بينها..
فالإله (فون) على سبيل المثال والذي يشغل منصب إله الحقول أي الزراعة بتعبير عصري لا علاقة له بـ (ثيميس) إله العدل أو (هيرميس) إله السفر .. فكل إله له مجاله الذي لا يتعداه .. ولا أحد من الآلهة يتدخل في مجال الإله الآخر..وهذه ميزة وعيب في نفس الوقت..!!ميزةٌ .. لكونها تحترم التخصصات .. فكل إله له مجاله وتخصصه الذي لا يشاركه فيه أحد وهو أعلم به وأدرى من غيره..
وعيبٌ .. لانعدام التنسيق فيما بينها .. فقد يخطر ببال (أثينا) إلهة التخطيط والمدن أن تنشئ مدينة في مكان زراعي يحتوي على حقول يباركها إله الحقول .. فيحدث بين هذين الإلهين صراع تكون عاقبته وخيمة على العباد وحدهم..!!وأحياناً يُفسد أحد الآلهة أحد الطرق بحجة أنه يريد أن يستصلح شيئاً ما .. لكن الرومان كانوا أذكى فوجدوا حلاً لهذه المعضلة.. فكان (زيوس) أو (جوبيتير) كبير الآلهة..!!ورغم عبقرية هذا الحل إلا أن الصراع بين الآلهة لم ينتهِ .. وذلك بسبب فساد (جوبيتير) نفسه الذي التهى بأمور نفسه تاركاً لجميع الآلهة الحبل على الغارب ..!!والطامة الكبرى أن هذه الآلهة تُولد آلهة .. ولا يمكن الإطاحة بها سواء بتصعيد أو انتخابات أو ما شابه ..غاية ما في الأمر أن الإله قد ينقل إلى منصب آخر إذا ثبت فساده وسوء إدارته .. أو بمعنى أصح (سوء ألوهيته)..ونادراً ما يُكتشف هذا الفساد..!!فعلى سبيل المثال نجد (هيرميس) الذي هو إله السفر قد شغل عدة مناصب مثل إله اللصوص وإله التجارة ورسول الآلهة .. أما (أثينا) التي تشغل منصب إلهة التخطيط والمدن فقد كانت قبل ذلك إلهة الزراعة وقبلها إلهة الحكمة..وهكذا تبقى هذه الآلهة تتجول بين المناصب دون أن تفقد ألوهيتها .. وكلما ثبت فسادها في منصب تنتقل إلى منصب آخر .. فهي لا تستقيل ولا تُقال لتترك المجال لآلهة شابة ودماء جديدة .. هذا إذا كان للآلهة دماء مثل البشر ..!!
وأحياناً يتولى الإله منصبين اثنين في ذات الوقت فيتم دمج هذين المنصبين إرضاءً للإله وربطهما برابط عجيب ..فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد شغلت (ديانا) ألوهية الصيد والقمر معاً .. وفي ذات الوقت ..!!قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا رابط بين الصيد والقمر ..!!لكن هذا تفكير من ليس له دراية (بالروابط) .. فالروابط كثيرة .. وكثيرة جداً .. وإن كانت واهية وضعيفة .. وأحياناً وهمية..!!
فأحد هذه الروابط أن الصيد غالباً ما يتم في الليل عندما تهجع الحيوانات إلى مراقدها فيكون صيدُها سهلاً .. وإذا غاب القمر فإن الصياد نفسه لن يرى الرميَّة ..وهكذا تم دمج الصيد والقمر معاً لصالح (ديانا) ..
أما اختيار (ديانا) بالتحديد لهذا المنصب المزدوج فلأن (ديانا) تحمل مواصفات لا تتوفر في أي إله آخر ..فالقمر رمز للجمال وبما أن (ديانا) صارخة الجمال فهي تصطاد القلوب بما في ذلك قلب (جوبيتير) نفسه..
ولكن هذا الدمج ليس على وجه الدوام فقد يتم الفصل إذا شغل المنصب إله آخر ليس في مثل كفاءات (ديانا) وعندها يمكن تفكيك (الروابط) .. وبكل سهولة ..!!
صحيح أن هذه الآلهة تفسد كثيراً .. وتتصرف على هواها .. وأنها لا تهتم إلا بأمورها الشخصية فقط .. وأنها تحتجب عن الناس ولا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق (الكهنة) الذين يأخذون الأموال من الناس بحجة أنها قرابين ..وصحيح أنه ثمة صراع كبير بين هذه الآلهة لا يخلو من الدسائس والمؤامرات .. لكنها في النهاية آلهة .. وُلدت آلهة .. وستموت - إن ماتت - آلهة .. فهي ليست آلهة بمنّة من أحد من بني البشر الذين لا تجري في عروقهم دماء الألوهية وهي لم تحصل على صفة الألوهية نتيجة تصعيدٍ أو انتخاباتٍ ولم ترتقِ على أكتافِ أحد.. لذلك فقط لا يحق للبشر أن يعترضوا على فعلها مهما فعلت ..ولا أن ينكروا فسادها مهما أفسدت..!!
-------------------------------------
قُرأت هذه المقالة في أمسية الإربعاء رقم (49) بتاريخ 4/6/2008
ونُشرت في مدونة رابطة المدونين الليبيين
وفي صحيفة قورينا العدد (301) الإثنين 27/10/2008
1 التعليقات:
الأستاذ عبد الرحمن مسعود ..
أهلاً بيك بين صفوف أخوتك برابطة المدونين العرب الليبيين ..
ويشرفنا قبول طلبك ..
ونأمل وضع شعار الرابطة بمدونتك ..
تحياتنا وتقديرنا أخونا الكريم
إرسال تعليق