24 أبريل, 2008

مقتل سيبويه في إذاعة سبها المحلية

مقتل سيبويه في إذاعة سبها المحلية

لست من متتبعي الإذاعات المسموعة ، ولا حتى القنوات الفضائية ، لكنني حين فكرت في متابعة إذاعتنا المحلية ؛ لأعرف ما يحدث في بلادنا عموماً ، وفي مدينتنا (سبها) على وجه الخصوص ؛ كانت المفاجأة التي لم تكن بالحسبان.
كان صوت المذيعة عذباً كعذوبة مياه (سبها) قبل عشرين عاماً.
كان مفعماً بالرقة والأنوثة ، لكنه كان مفعماً أيضاً بالأخطاء النحوية.
لا يمكنك إذا كنت ممن درس أبجديات النحو أن تتابع شيئاً مما تقول ، دون أن ينكمد صدرك وتشطاط غضباً ، وكأن هذه الأخطاء وخزات إبر تلسعك كلما حاولت التركيز على كلامها.
وفي أحسن أحوالك ستجد نفسك منشغلاً بالإعراب بدلاً من متابعة الموضوع.
لم تكن هذه الأخطاء قليلة ، ولا خفية ، حتى على أولئك الذين لم يتمكنوا من علم النحو أمثالي.
الرافع والخافض الناصب والجازم ينوب بعضها عن بعض وتعمل عمل بعض في جو لا نظير له من التآلف والتعاون.
أو ربما في جو من اختلاط المهام والمسئوليات كالذي يحصل في مؤسساتنا وإداراتنا.
أما حروف الجر فيبدو أنه قد تم إحالتها على الملاك الوظيفي.
فتشت في كتبي القديمة لعلي أجد لبعض هذه الأخطاء مخرجاً ، لجأت إلى البصريين فرفضوها ، ثم اتجهت إلى الكوفيين فسخروا مني ، ثم عدت إلى علماء اللغة والنحو المعاصرين فأغلقوا الأبواب في وجهي.
ولأنني من سبها ، ومولود في سبها ، وأحب سبها ، ولأننا نحن الجنوبيين لا نحب الاستسلام ، ولا الاعتراف بأخطاءنا ؛
فقد ابتكرت حلاً لهذه المعضلة ، وهي أن نؤسس مدرسة جديدة في علم النحو نسميها مدرسة السبهاويين ، يكون شعارها الوحيد ( تكلم كيفما اتفق ).
ذكرتني هذه المذيعة بقصة وضع علم النحو ؛ حين قالت وهي تغازل مدينة سبها ( يا أجملُ شعرٍ ).
فقد روي أن ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت لأبيها ( ما أجملُ السماء ) فأجابها : النجوم
قالت : ما هكذا أردت وإنما أتعجب ، فقال لها : إذن فقولي ( ما أجملَ السماء ) ، فكانت هذه الحادثة سبباً في اعتكاف أبي الأسود الدؤلي على وضع علم النحو.
فمن حسن حظ أبي الأسود الدؤلي أنه أول من وضع علم النحو ، ومن حسن حظه أيضاً أنه لم يستمع إلى إذاعتنا المحلية ، وإلا فإنه سيموت بالسكتة القلبية قبل أن يكتب حرفاً واحداً في علمه الجديد.
وذكرتني أيضاً بذلك الخطيب الذي كان يخطب بكل حماسة ، والعرق يتصبب منه ، والزبد يخرج من فمه وكأنه جمل هائج ، وكان لا ينطق بجملة إلا وتحتوي على فاعل منصوب ، أو مفعول به مجرور ، أو مضاف إليه مرفوع ، وكأن النحو قاتل أبيه ؛ فأراد أن ينتقم منه إلى أن قال : " إن الزناعم والرباطم ولا سيما ونحن في القرن الخامس للهجرة ".
ورغم أن الكتاب المهتري الذي قرأ منه تلك الخطبة العتيقة ، قد مضى عليه نحو ألف عام.
ورغم أنه أشاد في خطبته بأحد حكام الدولة الفاطمية ، وأثنى عليه أحسن ثناء ، ثم اختتم خطبته بالدعاء له بطول العمر ، وثبات الملك ، إلا أن كل ذلك لم يشغلني عن البحث عن خبر إن في قوله : " إن الزناعم والرباطم " فعلمت بعد جهد جهيد أنه يقصد : " إن الزنا عم والربا طم ".
ولكن المذيعة كانت أذكى من ذلك الخطيب الذي نال حظاً وافراً من الجهل ، فكانت تلجأ في غالب الأحيان إلى التسكين بالوقوف بين كل جملة وجملة ، على قول القائل : ( سكن تسلم ) ، إلا أن هذه الحيلة لم تكن ذات جدوى ؛ لأنه لا يمكنها الوقوف على كل كلمة بعينها ، ولو فعلت ذلك لصارت مثل اسطوانة ليبيانا حين تقول لك رصيدك .. هو .. عشرة .. دينار
لكنها على العموم حيلة ذكية جعلتها تخفض نسبة أخطائها بمقدار الثلث تقريباً ، وما تبقى من الأخطاء يكفي لقتل سيبويه ومن على شاكلته.
وأنا أيضاً لا أقل ذكاءً عن هذه المذيعة ، فقد ابتكرت حيلة ذكية تمكنني من متابعة برامجها باهتمام بالغ ، ودون أن أتضايق من كثرة أغلاطها ، وهذه الحيلة هي أنني تخيلت تلك المذيعة كأجمل امرأة في العالم ، أو على الأقل في (سبها) انطلاقاً من صوتها العذب الرقيق ، فوضعت لها صورة في ذهني هي آية في الجمال :
عينان سوداوان يعلوهما حاجبان كهلالين في أول الشهر ، وشعر أسود ينساب على قوام ممشوق ، وخدود وردية كلون أزهار لا تنبت في جنوبنا الحار ، ووجه يغنيك عن النظر في المرآة.
أما عن فمها فيخيل إليك أنه لم يأكل ، ولم يشرب ، ولم يتكلم قط ، ولم يخلق لشيء من ذلك ، بل خلق ليقبل فقط .. وبكل رفق.
تمشي كملك تلقى للتو نبأ انتصار جنده ، حتى تجلس على ذلك الكرسي الأسعد حظاً من كل مخلوقات الدنيا ، فتتحفنا بأخطائها النحوية.
عشت مع تلك الصورة التي رسمتها في ذهني ، يعجز أمهر رسام عن رسمها ويقصر وصف الشعراء دونها.
عندها فقط استطعت أن أتابع برامجها بكل اهتمام .. وعندها فقط استطعت أن أغفر لها جميع أخطائها في اللغة ولو كانت مثل زبد البحر .. فكما قال الشاعر :
عين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
بل إن تلك الأخطاء زادتها عذوبة وحلاوة ، على قول الشاعر يستعذب حديث جارية له وهي تلحن :
منطق صائب وتلحن أحيا نا وأحلى الحديث ما كان لحنا
أو قول ابن الوردي في فتاة لثغاء :
لثغة من أهواه من حسنها عندي على الوجهين محمولة
قلت سهام الطرف منسولة لرمي قلـبي قـال مـنثولـة
قلت سيوف الصبر مسلولة علـيك منـي قـال مـثلولـة
ولا شك أن أميرتي المذيعة أجمل بكثير من تلك الفتاة اللثغاء ، وليس ابن الوردي بأكرم مني ، فيغفر ولا أغفر.
لذلك فقط لا أتمنى زيارة مبنى الإذاعة .. أو حتى المرور من أمامه...
والحمد لله أنها لم تكن إذاعة مرئية.
------------------------------------
قُرئت هذه المقالة في أمسية الإربعاء رقم (43) بتاريخ 16/4/2008

0 التعليقات:

إرسال تعليق