01 أبريل، 2008

مسألة بيع الرصيد

مسألة بيع الرصيد

إن ثمة إشكالية عميقة الجذور كبيرة التأثير لها أبعاد سيئة – ليس على الدين فحسب – بل على المتدينين أيضاً.هذه الإشكالية تكمن في النزعة التحريمية لدى بعض الفقهاء .. واستخدامهم ( للملاقيط ) المجهرية في البحث عن الحرام .. وكأن الدين لم يأتِ إلا للتحريم ليس إلا .. وكأن كلمة دين ليس لها مرادف إلا (الحرام) فقط حتى صار الله في نظر هؤلاء الفقهاء (كوحش) يترصد لعباده ويتصيد لهم الأخطاء ولا مفر لهم من عذابه إلا بالبحث عن الحرام في أكوام من دقائق الأمور والامتناع عنه وإلا فإنهم ملعونون مطرودون من رحمته.
لكن السادة الفقهاء قد كفونا هذه المهمة وكلفوا أنفسهم عناء البحث والتنقيب عن الحرام وتكبيره بالمجاهر الإلكترونية آلاف المرات ليثبتوا لنا أنهم فقهاء ( وقد اعترفنا لهم بذلك ) ما دامت لهم هذه القدرات المجهرية .. وليثبتوا لنا أنهم متدينون (فالدين هو الحرام والحرام هو الدين) فعكس الحرام الحلال والحلال مشتق منه الانحلال .. أو هكذا أراد السيد الفقيه.
يبدو أن السادة الفقهاء قد اكتشفوا ما لم يكتشفه الله (منزل القرآن) الذي قال لنبيه ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
ويبدو أنهم نسوا أن الدين يسر وأن الله نفسه نهى عن السؤال عن أحكام لم تنزل حتى لا تحرم على عباده رحمة بهم.
وأن الرسول أحل الكثير من الأشياء كانت محرمة على الأمم السابقة وأنه راجع ربه عدة مرات في مسألة الصلاة حتى جعلها خمساً بدلاً من خمسين.
إن كثرة استخدام الفقهاء لجرعات التحريم لا تخدم إلا الانحلال والنفور من الدين لأنه كلما زاد الحرام في الدين ازداد صعوبة وكلما صعب الدين ابتعد عنه الناس.
إن نسبة الحرام إلى الحلال تساوي واحد إلى مليارات ولهذا أعتبر الحلال (المباح) هو الأصل أما الحرام فهو استثناء من هذا الأصل .. لكن هذا لا يتناسب مع ذهنية التحريم لدى الفقيه ولا يشبع نهمه في تحويل الحلال إلى حرام وتضييق عيش الناس وإبعادهم عن دين الله السمح ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾.
ثم انه لو قال حلالاً لما أتى بجديد فقد كان حلالاً من قبل .. فلا بد للسيد الفقيه لكي يفغر أفواهنا ويدهشنا بعبقريته أن يأتي بجديد .. والجديد دائماً هو الحرام.
إن مجالات الحياة أصبحت تتجدد وبوتيرة سريعة ومع ذلك لم ينته سباق الفقهاء المحموم ليضعوا خاتمهم على هذه المستجدات .. تارة بالمنع وتارة بالاستخدام المشروط حتى كان لهم الفضل في الوقوف في وجه الكثير من تقنيات العصر الحديث بحجة أنها حرام أو أنها تقود إلى الحرام فوفروا علينا مشقة تعلمها واستخدامها.
ولعل هذه المسألة تكشف مدى العمق الذي وصل إليه الفقهاء في البحث والتنقيب عن الحرام. هذه المسألة هي بيع الرصيد من هاتف محمول إلى آخر.
فبعد أن فتحت (شركة ليبيانا) للهاتف المحمول ميزة تحويل الرصيد صار الكثير من المحلات يبيع الدينار والدينارين من الرصيد بقيمة تزيد قليلاً عن قيمة الرصيد كهامش ربح نظير تقديم هذه الخدمة.
الإشكالية عند السيد الفقيه هنا تكمن في أن هذا من قبيل بيع نقد بنقد مع اختلاف القيمة .. وهذا هو الربا بعينه حسب ظنه.
الخضروات والفواكه (مثلاً) تقدر بالكيلو فيكون هذا الكيلو مقابل قيمة نقدية
والسوائل تقدر باللتر ويقابله قيمة نقدية عند البيع والشراء
وهكذا بقية القياسات كالمساحات والأطوال وغيرها.
لكن أن يكون قياس السلعة بالدينار والقيمة المقابلة نفسها دينار فهذا ما لم يقبله الفقيه
لأنك تشتري ديناراً متمثلاً في الرصيد بدينار وربع (مثلاً) .. أليس هذا هو استبدال قيمة نقدية بقيمة تختلف عنها في المقدار؟!
فالإسطوانة في جهازك تقول لك : رصيدك هو دينار فقط فلا يجوز لك أن تدفع دينار وربع مقابل دينار فقط .. وإذا فعلت ذلك فقد وقعت في رباً صريح..!!
رغم المجهود الواضح الذي بذله الفقيه في استخراج الحرام من هذه الأعماق إلا أنه لم يفلح هذه المرة .. بل إنه أخرج شبهة ظنها حراماً وهي ليست كذلك.
قبل كل شيء لابد أن نوضح الفرق بين المال والنقود.
تعريف النقود:
تُعرّف النقود بأنها (الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمناً للسلع والخدمات، وأجرة للجهود، سواء كانت معدناً أو غير معدن.. وبها تُقاس جميع السلع والجهود والخدمات.)
تعريف المال في اللغة:
(هو كل ما يقتنى ويحوزه الانسان بالفعل ، سواء أكان عينا أم منفعة ، كذهب أو فضة أو نبات أو منافع الشىء كالركوب واللبس والسكنى ، أما ما لا يحوزه الإنسان فلا يسمى مالاً كالطير في الهواء والسمك في الماء.)
تعريف المال في أصطلاح الفقهاء:
هو(كل ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة.)
من هنا نفهم أن النقود لا تطلق إلا على النقد السائل وهي العملة سواء كانت عملة ورقية أو ذهب أو فضة.
أما المال فهو كل ما يملكه اللإنسان وينتفع به كالبيت والسيارة والملابس وغيرها وكذلك النقود بأنواعها.
فالمال والنقود بينهما (عموم وخصوص من وجه) أي أن كل نقود مال وليس كل مال نقود.
وعلى هذا فالرصيد في جهازك هو مال وليس نقود لأنك تملكه وتنتفع به فهو سلعة كغيره من السلع تستهلك وينتفع بها وهو فاقد لأهم شروط النقد ككونه مقياس للقيمة أو وسيلة للتبادل كالنقد الحقيقي حتى وإن تشابه في الاسم أو أن الشركة اضطرت لتقديره بوحدة النقد لأن هذا الاضطرار لم يغير حقيقته وماهيته أي لم يجعله نقداً.لأن تحويل الرصيد في حقيقته هو عبارة عن تحويل دقائق للاتصال وليس تحويل نقود وإمكانية تسييله تتساوى مع إمكانية تسييل أي سلعة أخرى فلو جاز في الرصيد أن يكون نقداً لجاز لبقية السلع أن تكون كذلك.
أما من جهة ألفاظ العقود فإنها معتبرة من جهة دلالاتها على تحقق العقد لا من جهة تسمية المعقود عليه إذا كان محل العقد متعارف عليه من قبل المتعاقدين.
فيتحقق العقد بقولك زوجتك .. وبعتك .. وتنازلت لك عن .. إلخ من الألفاظ المتعارف عليها.
أما من جهة تسمية المعقود عليه أو محل العقد فلا إشكال فيها طالما أنها متعارف عليها من قبل المتعاقدين وأن ماهيتها وحقيقتها لا تعارض نص شرعي بغض النظر عن الاسم خاصة في مثل هذا الحالة التي ربما لا يمكن تسمية القيمة وتقديرها إلا بوحدة النقد لأنه لو قدرها بالدقيقة لوقع في إشكالية اختلاف سعر الدقيقة من مكان إلى آخر فوجد مقدم الخدمة نفسه مضطراً إلى تقديرها بوحدة النقد.
وكونه اضطر إلى ذلك لا يعني أنها نقود والأحكام الشرعية تتبع الحقائق والماهيات ولا تتبع الاسماء والمصطلحات لأنها لو كانت كذلك لجاز تغيير الكثير من الأحكام الشرعية بتغيير اسم مناط الحكم فكما قال ابن القيم ( انك لو سميت الخمر لبناً لم يكن حلالاً ) فلا يعقل أن تترك الشريعة حقيقة الشيء لتتشبث باسمه .
فماذا لو قدرت شركة ليبيانا هذه القيمة بالوحدات كما تفعل شركة الثريا مثلاً .. هل يصبح بيع الرصيد حلالاً؟؟!!
إذن الحرام والحلال متوقف على ما تفعله شركة ليبيانا لا على حقيقة الأمور.
وحتى لو فعلت ذلك فما زالت الحقيقة قائمة رغم تغير الاسم .
وهكذا لو اضطر بائع سلعة ما إلى تقديرها بوحدة النقد لسبب ما فهذا لا يعني أنها نقود طالما أن البائع والمشتري متعارفان على ماهية السلعة.
فلا عبرة للفظ إذا عُرِف المعنى .. ولا معنى للاسم إذا فُهِم المسمى.
فالخمر يسمى مشروب روحي .. والربا يسمى فائدة .. وكثير من المحرمات تغيرت أسماؤها ومع ذلك لم يتغير الحكم الشرعي لأن الحكم الشرعي مناطه حقيقة المسمى وماهيتة وليس اسمه.
وهكذا ينطبق الكلام على الرصيد فإنك لو سميته ديناراً لايعني أنه تحول إلى نقود ليتبعه الحكم الشرعي تحليلاً أو تحريماً.
وإلا فإننا سننتظر رحمة ليبيانا لتغير لنا اسطوانتها فيتغير بذلك حكم الله ويصبح المسمى حلالاً!!.
وسواء فعلت ليبيانا ذلك أم لم تفعل فلن يعدم الفقيه الوسيلة في إيجاد شيء آخر يطل به عبر وسائل الإعلام على عباد الله ليضيق عليهم عيشهم.
... والله المستعان
-----------------------------------------------
نُشرت هذه المقالة في جريدة قورينا العدد (254) الثلاثاء 19/8/2008 .
وقُرأت في أمسية الإربعاء رقم (51) بتاريخ 18/6/2008

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

رغم حساسية الموضوع نشكرك اخى العزيز عبد الرحمن علي طرق هذا الباب ,لدي ملاحظة عن عدد الصلوات هناك من يشك في أن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وآله قد تجادل مع الله حول عدد هذه الصلوات بل كانت مكتوبة علي جميع الخلق في جميع الرسالات السماوية السابقة

إرسال تعليق